قراءات من الرواية

الفقرات الاولى في الرواية:

السلام عليكم

ترددت طويلاً في تسطير فصول هذه الرواية لأنها تخرج عن إطار كتابة عائلتنا للتاريخ، وتبوح بأسرارٍ ربما تمنع أبنائي وأحفادي من تسجيل الأحداث على نهج ما فعل عشرة من أسلافي. لكني أقنعت نفسي بالتغلب على ذاتها وخططتُ هذا السفر الطويل مستجيباً لمتطلبات اختلاف وضعي عن الآخرين. كل أجدادي وأنا عايشنا الأندلس وكتبنا التاريخ منذ أول الفتح الإسلامي لإيبيريا، ولكني الآن ،على ما يبدو، أشهد بداية نهاية العهد الأموي.

ولدت في قمة مجد الأندلس أيام الأمير التاسع، الخليفة الثاني للأندلس، الحكم المستنصر بالله ابن الخليفة الناصر، رحمهما الله ورحم كل أموات المسلمين. شاء الله لي مصادقة الخليفة هشام المؤيد بالله، منذ طفولتنا، وأن أعايش انهيار الخلافة بعد اغتصابها، وتخريب العمار الخالد، وشيوع الظلم والفوضى بين العباد. لذلك قررت أن وضعي، ووضع الأندلس وسكانها والعالم من حولهم تغير، وتطلب البوح بالحقائق التي أعرفها ومنعتني تقاليدنا من سردها حتى الآن. أدعو الله أن يصلح الحال ليعود أبنائي وأحفادي لحياة آمنة ولمواصلة التسجيل للتاريخ بأسلوب عائلتنا، أو يريهم خالقُهم الطريق المناسب لتسجيل وقائع زمانهم القادم.

أنا سليمان، الحفيد من الجيل العاشر لأبي قريب، أسعد باهر بن عبد الرحمن القلعي الذي قدم إلى هنا مع طلائع المحاربين المسلمين. جدّي هذا يعود أصله إلى سلطان حِمْيَرْ في اليمن التي ولد فيها عام ثمانية وخمسين هجرية، الموافق 678 بالتاريخ الشمسي لميلاد عيسى عليه السلام. أتقن جدّي علم الرواية الإخبارية وتسجيل التاريخ، وورثنا بعده هذه المهنة وأسرارها أباً عن جد. من اليمن خرج أسعد فاتحاً حتى وصل أفريقية مع حسان بن النعمان، وفتح الأندلس مع موسى بن نصير وشاهد طاولة الملك سليمان التي حُملت من طليطلة إلى دمشق مع موسى وطارق بن زياد، وغزا جدّي في بلاد الفرنجة وشارك في موقعة بلاط الشهداء مع الأمير الشهيد عبد الرحمن الغافقي في رمضان 114 هجرية الموافق بين شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 732 ميلادية. كان عمر جدّي آنذاك ستة وخمسون عاماً، وصحب معه إلى بلاد الفرنجة ابنه باهر الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره آنذاك. الحمد لله الذي كتب لهما النجاة بأرواحهم من تلك الهزيمة التي سجلا وقائعها بالتفصيل.

بعد ثلاثة قرون وربع القرن على فتح الأجداد لأندلسنا والوصول بها إلى قمم الأمجاد، ها أنا اجلس على خرائب مدينة الزهراء أحبر هذه الأوراق وأنا أشاهد بأم عيني الأوغاد يبيعون الرصاص والنحاس المخلوع من المجاري والأبواب، وينقلون الحجارة والأعمدة والزخارف ليزودوا من ثمنها خزينة المستكفي بالله ببعض المال. هذه الزهراء التي طال زمن إعمارها لأكثر من أربعة عقود في عهد الخليفة الناصر وابنة الحكم، وتكحلت عيوني في الصبا بجمالها وحسن صنعتها، والتي استُقبل فيها ملوكٌ وسفراء وأمراء جاءوا من كل بقاع العالم تلمساً لاسترضاء تاجها. هذه الزهراء رأيتها تتحول إلى سجن للخليفة هشام ابن الخليفة الحكم، وها هي تُنهب وتُنهش أمامي بعد أن خربتها الفتنة وأحرقها البربر، قبل مرور الثلاثين عام على نهاية تشييدها.

فما يلي هو فصل كامل في بدايات الرواية:

سفيراً لعمي

في صباح اليوم الخامس للعيد صحبت أبي إلى فضاء الجامع وحديقته التي سير فيها الخليفة الحكم الماء قبل أربع سنوات عبر مواسير تحت الأرض أوصلها إلى أماكن الوضوء والشرب والري. في أركان داخل الجامع المسقف وجدت ثلاث مدارس لتعليم الفقراء بالمجان بعد أن منح الخليفة المعلمين أجراً شهرياً تدفعه لهم دار الصدقة التي أقيمت غربي الجامع. مجموع مدارس تعليم الفقراء مجاناً بلغت سبعاً وعشرين، ثلاثٌ هنا في المسجد الجامع، ومدرسة في كل مسجد ربض في قرطبة حتى لا يتكفل الطلاب عناء الانتقال.

حول الفضاء الداخلي وحديقة المسجد المغروسة بالبرتقال يوجد بناء مغطى، ظهره السور وأمامه الحديقة والجامع، وفي الجهة الشرقية منه تعمل في الظل عشرات النساء النساخات للقرآن الكريم، إضافة إلى نساخات يعملن من منازلهن، ويبلغ مجموعهن سبعين؛ لا عمل لهن سوى نسخ القرآن الكريم، كما قال أبي. تلك النسوة كن هدف والدي ذلك اليوم، أراد معرفة أجرتهن، والتعرف على أجودهن خطاً والسؤال عن نساخات غيرهن ربما كن يعرفنهن.

عرفت تدريجياً ولاحقاً أن تلك الزيارة والأحاديث التي أجراها كانت بداية لتوسيع عمل أبي في صناعة نسخ الكتب التي زاد الطلب على كل أنواعها وقل المعروض للبيع منها. الآن وبعد التوصل للقلم بدون محبرة وتصنيعه لصالح أبي، ومع توفر مصانع إنتاج الورق الأبيض في قرطبة، وجودة أنواع الحبر المصنعة، رأى والدي فرصة طيبة لزيادة إنتاج نسخ وتجليد الكتب المستوردة من الشرق والأخرى المؤلفة من علماء وأدباء وأطباء وشعراء الأندلس، وتغليفها برونق جيد يرفع قيمتها النقدية في عيون الذين يجملون بيوتهم بالمكتبات الخاصة. إتفق مع أخواته الثلاث في زيارتهن الأخيرة على مشاركته في المشروع عبر النسخ من بيوتهن وتعليم بعض الفتيات لهذه المهنة للتوسع في الإنتاج لاحقاً، وطلب منهن استشارة أزواجهن. أخبر والدي أيضا مُدرسي اليتامى وشيوخاً في الجامع أنه يبحث عن خطاطين وسيفتح محلة في قرطبة قريباً تجمعهم لممارسة المهنة فيها.

بمحاذاة الجزء الشمالي الداخلي لسور الجامع كان الشيوخ والمربون يلبسون البياض ويجلسون في حلقات مع طلابهم، ويتوزعون حسب السن ومكانة العلم والتخصص. استفسرت من أبي عن سبب اختلاف هيئة بعض الشبان هناك، فأبلغني أنهم أجانب، بعضهم من الشرق، ولكن معظمهم من ممالك النصارى الشمالية، والقسطنطينية وروما وبلاد الفرنجة والبريطان. “قريباً سيكون لك اطلاع أوسع على حياة هذه الجامعة التي خرّجت مشاهير الأندلس، ففي القريب ستبدأ في تلقي علومك هنا”. قال والدي ذلك وأخذ يعدد لي مراحل التعلم، من إتقان حفظ القرآن، وتعلم الكتابة، وجودة الخط، ثم الاختيار لاحقاً بين الآداب والعلوم الفلسفية، أو الخوض في مجال الرياضيات والهندسة، أو الصيدلة والطب.

“جار جدك، الطبيب الزهراوي فائق الصيت في إجراء العمليات الجراحية والذي يعوده المرضي من أمراء وملوك الأرض، تعلم هنا، ومثله أطباء يهود ونصارى تعلموا في الجامع واشتغلوا في خدمة الأمراء والخلفاء. حتى عباس ابن فرناس، الذي أعجبتك محاولته للطيران، تعلم الكيمياء وبلورة الزجاج هنا. هذا شرف كبير وفرصة ممتازة يا سليمان أن تسكن إلى جانب هذا الجامع وتتعلم فيه إن شاء الله”.

لم أشأ طرح أي سؤال على والدي قد يُفهم منه أي تردد، ولكني كنت متشوقاً إلى زيارة هشام مع جدّي والتعلم في أجواء قصور الزهراء أيضا. تمنيت لو أن قرار أبي ببدء إرسالي للجامع لن يتعارض مع زيارتنا الأسبوعية إلى الزهراء.

عدت مع أبي للبيت ظهراً ووجدنا جدّي وعمي عيسى هناك، فقد كانا في زيارة استطلاع لمخزن القطين في شقندة. عرفت أن جدّي سينام في بيتنا لنتوجه في الصباح من هنا إلى الزهراء في أول زيارة خميس لنا للأمير هشام، وقال عمي إنه يحتاج مساعدتي بعد القيلولة، وتمنى على أمي أن تلبسني هنداماً جديد. لم يوضح لأحد لماذا يحتاجني وما هي المهمة، ولم يسأله أبي أو جدّي أو أمي عن شيء، ولكن فاطمة سمعت بالأمر ولم يُهدئ من إصرارها على الذهاب معي سوى تعهد جدّي أنه سيأخذها معه إلى زيارة فندق زوج عمتي لتتفرج على الناس الغرباء ودوابهم.

في الطريق إلى شقندة وقبل أن نقطع القنطرة انتهي عمي من شرح المهمة. سأحمل سبتاً صغيراً مليئاً بالنامورة الطازجة لأوصلها قبل أن تبرد إلى بيت ماري خسوس، وسأخبر من يفتح الباب أن هذه هدية من عمي عيسى لماري وأهلها، وعلي الإشارة أنه سيسافر قريباً إلى مالقا. إذا دعوني للدخول فلا بد أن أصر أنني لن أدخل بدون وجود عمي الذي ينتظرني في المخزن، وإذا لم يعزموني فعلي سؤالهم إذا كان بيتهم من الداخل مثل بيتنا، وحينها سيدعونني للدخول فأتمنع عنه بدون عمي. طمأنني عيسى أنه سيكون خلفي باستمرار ولن يبتعد كثيراً عن بابهم حتى أصل هناك، وأخذ يعيد ويزيد عليّ كيف أتصرف وماذا أقول وألا أقع في خطأ قول أن عمي قال كذا وكذا. رغم شهرته بالجرأة وعدم مبالاته بالمهام والصعاب، بدا لي عيسى مضطرباً بعض الشيء، وظننت أنه خائف أن أكشف سرّه ويعرف أهل ماري أنه دبّر قصة عدم دخولي بدونه. قلت له ألا يقلق ووعدته تنفيذ المهمة بجدارة.

طرقت الباب بعد أن تخفى عمي في زاوية الشارع، وفتح لي رجل أشقر، عريض الكتفين، قوي الساعدين، لبس جلباب بدون أكمام، ونظر إليّ من ارتفاع بعيون زرقاء.

“أهلا وسهلاً، بيت من تريد؟”

“بيت أهل ماري خسوس، أنا سليمان، وعمي عيسى يرسل لكم هذه الهدية لأنه مسافر إلى مالقا قريباً”.

“وهل جئت لوحدك يا سليمان، أين عمك؟”

نظرت لزاوية الشارع خوفاً، بل تمنياً أن أرى عيسى الذي لم يحذرني من ضخامة هذا الرجل أو التلميح باحتمال وجوده هنا، ولكنه بقي متخفياً. “عمي ينتظرني في المخزن.”.. وقبل مواصلة الحديث جاءتني النجدة من خلف الرجل على هيئة ملاك بجلابية بيضاء تخفي جسداً جميلاً وكبيراً ولكنه في غاية التناسق، ويبدو أنها سمعت ما قلته.

“أدخل يا سليمان، ماذا تحمل معك، هل هو لي؟”

“إذا كنتِ ماري خسوس، فهو لك من عمي عيسى. ولكني لن أدخل إلا إذا كان عمي معي”.

في تلك اللحظة كان الرجل يحملني مع ما أحمله ويقطع بنا ساحة المنزل إلى وسطه حيث نافورة مياه ومقاعد رخامية.

“إذا أنت ابن قريب القلعي، وعمك عيسى، وجدك خالد”. لم ينتظر إجابتي، وجلست ماري بجانبي وهي تفتح الهدية، وتبدي الإعجاب بلباسي وتتشكر على حضوري، وأبلغتني أن هذا هو والدها، وأنها شاهدتني أكثر من مرة قرب بيتنا، وأنها تشتري أشياء من دكان خالي. إذا فهي تعرف كل العائلة، وأنا لست غريباً هنا، ومع ذلك لم يذهب قلقي لأن عمي ينتظرني في الشارع، وخفت أن أخطئ في القول إذا أصرّوا على سؤالي. قلت لنفسي مشجعاً: إنني كالوزير الغزال، في مهمة من أمير مسلم عند النصارى، ولا بد من الشجاعة والتروّي والنجاح في المهمة.

“سأحكي لك قصة لأختبر ذكاءك” قال أبو ماري. “يعرف أهلك أنني صاحب منجم النحاس في السيرو مورينو، إستأجرته من كاتب الخليفة أطال الله عمره، وأدفع قيمة عُشر المستخرج. في الأسبوع الماضي طلب مني مسئول العمال أن أحل له مشكلة ثانوية وقعت بين أربعة منهم. هل أنت فاهم يا سليمان ما أقول؟” هززت رأسي بالموافقة ونظرت لماري خسوس وقد تحركت لصنع المشروب، فقد خمنت أنني لن أخرج من هنا قريباً.

“قصتهم، أن الأربعة يسكنون بالقرب من المنجم في دار صغيرة بها ساحة وغرفة واحدة، ويشتركون في توزيع الأعمال وتحمل التكلفة بالتساوي. ثلاثة منهم اتفقوا على شراء فوانيس للإضاءة تسهل عليهم العمل والحركة في البيت بعد حلول الظلام، ولكن الرابع لم يوافق، وبالطبع يرفض دفع نصيبه من ثمن الفوانيس أو الزيت، ويقول إن ذلك لم يكن ضمن الاتفاق الأصلي. الآن أعطيني أنت الحل لهذه المشكلة”.

هذه مشكلة تشبه تماماً أحداث قصة ذكرها لي جدي، هل الرجل يعرفها أيضا. سألت نفسي، وتمنيت لو لم يكن يعرف بالقصة لأني سأعطيه حلاً لا يهتدي إليه إلا رجال كالغزال. تململت في جلستي وعدلت من قيافة جلبابي المقصب بخيطان كالذهب، وتذكرت أنه مسيحي فقلت: صلي على المسيح. ضحك الرجل بصوت مجلل وقال: “عليه السلام”.

“هناك أكثر من حل. يمكنهم طرد العامل الرابع والبحث عن ساكن غيره، أو يخرج الثلاثة ويتركوه لوحده، ولكن هذا يتعارض مع اتفاقهم الأصلي. يمكن أن يدفع الثلاثة ثمن الفوانيس والزيت لوحدهم، ولكن هذا سيظهر الرابع كمنتفع بالمجان ومنتصر عليهم. الحل الأمثل هو أن يربطوا عصبة على عيون الرابع كلما حل الظلام، فلا ينتفع بضوئهم، ولا يشعروا بمغبة واستغلال”. مع نهاية حديثي كان الرجل يضع يديه على معدته من شدة الضحك وكاد أن يقع في مياه النافورة.

عندما استعاد الرجل تمالكه ووصلت ماري تستطلع سبب انبساط والدها بهذا الشكل، تأكدت أنه لم يسمع بالقصة الشبيهة التي أعرفها من جدي، فلو عرفها لكانت ردة فعله أقل من ذلك بكثير. “أريد حفيداً ذكياً مثلك. قبل أن تنتهي ماري من إعداد الشراب أذهب وأحضر عمك حتى تزورنا وإياه حسب طلبك على الباب”.

إحمر وجه ماري خسوس وهي تسمع والدها يتمنى حفيداً مثلي، ومن عمي عيسى طبعاً. وبسرعة البرق كنت خارج بابهم أنعطف للزاوية التي ينتظرني بها عيسى، ولم أشعر إلا بأنني في الهواء بين يديه، ووجهه مقابل وجهي تماماً.

“هات الحلوان؛ أبوها وافق على الزواج بشرط أن تنجب له حفيد مثلي”، قلت لعمي، الذي أنزلني على الأرض ووجهه يمر بكل الألوان والتعابير المتضاربة.

“ماذا قلت وفعلت يا مجنون، أرسلتك توصل هدية، لا أن تخطبها من أبيها وتتفق على الإنجاب”. طمأنت عمي وشرحت له ما جرى بسرعة، وأخبرته أنهم بالانتظار والشراب جاهز.

“آه يعني ضربة حظ معك، ونفعتك واحدةٌ من قصص جدك. سيكون لك الحلوان الذي تريد. إذا اتفقت مع أبيها على الزواج وقبلوا أن تسلم، أعدك أن نفرح سوياً، وأن نزف سوياً، أنا أزف لحبيبتي، وأنت تزف للمطهر”. لم أكن أتوقع من عمي رد الجميل بهذا التهديد، وسألته عن فرصة التحول إلى النصرانية. “هل تخاف إلى هذه الدرجة من قطع جلدة لحم صغيرة، ومن تجربة يمر بها كل المسلمين واليهود؟”

“نعم أخاف لأن صمويل جارنا حكا لي عن عذاب وأهوال مر بها، كيف كتفوه، ووضعوا الكماشة على قضيبه، وقطعوا بالموس. وقال إنه لم يستطع التبول لأيام نتيجة الورم”.

“فكر في الزفة إلى جانبي كعريس، وغناء المسلمين والنصارى لك، والهدايا التي ستصلك، وستصبح رجل تنظر البنات إليك بعيون أخرى”. وصلنا الباب وأنا أفكر في نظرات البنات التي ستتغير تجاهي، لابد من تحين الفرص لاستكشاف الأمر من عيسى الذي نجح في الوصول إلى غايته.

جلس خمستنا في الصالون، ماري التي وضعت عباءة حمراء فوق جلبابها، وأمها وأبوها وعمي وأنا. عرفت لاحقاً أنها كانت وحيدة والديها، وأن حبها لعمي وخططهما لم تكن خفية عليهما. عمي لم يزر منزلهم قبل الآن وكان يلتقي ماري في نزهات خارج البيت. لقد تحدث أبوها طويلاً عن محبته لابنته وتمنياته لها بالسعادة، وعن معرفته بأخبار ومكانة عائلتنا، وقال إن كل أمواله ستكون تحت تصرف ابنته في يوم ما، وأنه مستعد للمشاركة عبرها مع عمي وإخوته في أي مشروع. شكره عيسى وأكد له أنه سيصونها، وأنها لن تحتاج مالاً، وأن خيرنا كثير والحمد لله، وإذا احتاج مستقبلاً فلن يتوانَ في الطلب. لكن المفاجأة الكبرى التي أبكت عمي في بيتهم كانت قرار والدها ووالدتها ألا يتركاها تذهب للإسلام وحيدة، وقرروا أن يسلموا جميعاً. لم يكن الأمر غريباً جداً إذ تحركت موجة أسلمة أكثر من المعتاد بين النصارى منذ منتصف عهد الخليفة الناصر للآن، لكن بالنسبة لعمي ارتبط الأمر بحب والديها بها وبقرارهم، فشعر بأنه يكسب عائلة كاملة.

في ظهر يوم الجمعة وبعد الصلاة زحفت عائلتنا على حي شقندة. جدّي وستة من أولاده وبناته وخمسة عشر من أحفاده، وأزواج بناته، وزوجات أولاده، وأخوالي الثلاثة، وخالان لأولاد عمي عباس، تحركنا إلى بيت نسائبنا الجدد. كنا بكامل اللباس الرسمي، من عباءات مذهبة وتحتها دمايات مطبقة على الأجساد، وحطات بيضاء يضمها على الرأس أحزمة قماشية، وأحذية من الجلد اللامع. وكانت النساء بثياب بيضاء مطرزة على الصدر، وبعضهن بأغطية رأس من الحرير الأخضر. ولبست، مثل سعيد، جلباب أبيض يحيط بأكمامه وأسفله شريط ذهبي نقش عليه اسم كل منا واسم أبيه وأسماء الأجداد التسعة الذين عاشوا في الأندلس منذ فتحها.

في الصباح وقبل التوجه لشقندة، أرسلنا عشرة خراف وأكياس من الأرز والخبز المرقرق وكل لوازم عمل الثرائد من لبن وبهارات، وثلاث طباخين ليجهزوا الطعام بمعرفة والد ماري، الذي خصص لهم مكاناً مناسباً في الحديقة. بعد غداء المدعوين سيوزع الطعام المتبقي في الحي بمعرفة أهل العروس. كان عمي عيسى قد أخبر والد ماري بذلك سلفاً وأن أهل الخطيب يتولون في العادة إعداد هذه الوجبة، ورجاه أن يدعو من طرفه من يريد لحضور الخطبة وتناول الغداء بعد ذلك، وأخبره أن جدّي سيتولى شأن انضمام العائلة للإسلام بعد الخطبة وقتما وافقهم ذلك، أما العرس فسيحدد موعده بعد رجوعه من مالقا.

إنتهت مراسم الخطبة بسرعة وسهولة دون حديث عن أسلمة أو الفيد المطلوب من أهل العريس أو المقدم والمؤخر. قال جدّي قبل تناول فنجان من القهوة السادة المرة: “لن نشرب قهوتنا قبل الاستجابة لطلبنا”. ولم يكن أي واحد من طرفنا قد شربها، والقهوة قدمت أولا لجدي ووالدي وعمي عباس.

رد والد ماري خسوس، “إشربوها.. طلبكم مجاب”. فشربت القهوة وزغردت أمي وعماتي وزوجة عمي وأم ماري، وأخذن بشدو الأشعار القصيرة، وكلما انتهت واحدة من قصيدتها ردت عليها الأخريات بالزغاريد، حتى تبدأ أخرى بشعرها. بالطبع كانت القصائد كلها إنتاج عفوي فوري تتغنى بوسامة وشجاعة وأصول عمي وبجمال ماري وكرم أهلها وحسن تربيتها والترحيب بها في صدر عائلتنا. وقد ذكرت أمي إسمي في واحدة من هيهوياتها، فنظرت لعمي وكدت أتحسس بين فخذي. وبينما النسوة في غاية الانشراح وانفراج العقيرة في الصالون المفتوح على صحن الدار الذي جلسنا فيه، قرأ الرجال الفاتحة. لم يترك عمي عيسى وماري خسوس للأهل على الطرفين أي فرصة للحوار والجدال وتخريب المخطط عبر صدفة أو غلطة أو سوء فهم، فقد رتبا كل الأمر منذ زمن على ما يبدو، وأقروا بقية التفاصيل يوم الخميس، ولم يكن أمام الأهل يوم الجمعة سوى قول آمين.

من فصل (الماء والنار) هذا جزء من الحوار بين سليمان، اثناء طفولته، وبين والده:

لم يكمل أبي السورة إلى نهايتها حتى أتذكر نصفها الأول ومواعظه، كما قال، وأكد لي أن بقيتها لا تتحدث أيضا عن شفاعات.

“ومتى ستقوم القيامة؟”

“علمها عند الله يا سليمان. هل قمت بالكثير من الأخطاء والمخالفات وتخشى النار؟”

“ليس بالكثير، ولكن ألا يوجد عقاب وسط بين نعيم الجنة والحوريات وبين جحيم النار والشواء والكواء فيها؟”

“ربما كان الفرق في مدّة البقاء في النار ودرجات السخونة، وطول النعيم في الجنة وعدد الحوريات”.

كان من الواضح أن أجواء المطر والبرد ونار الكانون أمامنا لم ترهب أبي أو تحد من تعليقاته التي لا زال يصعب عليّ تقييمها، وها هو ينظر إليّ بضحكة مبهمة عندما رددت ذكر الحوريات في الجنة.

“في الجنة يا أبي، وحسب ما سمعت من الإمام في خطب الجمعة أكثر من مرة، فالناس سواء في النعيم وعدد الحوريات وفي الشكل والعمر”. فجأة قفزت لذهني خاطرة وخرجت على لساني دون تردد. “ماذا إذا عملت فاطمة الصالحات ودخلت الجنة، فهل سيكون لها حوريات، أم ستكون هي حورية في خدمة أحد الصالحين؟” انقلب أبي على ظهره من شدّة الضحك، ووضع يديه على أمعائه. تواردت لرأسي أسئلةٌ أخرى، كيف سنتعرف على بعض إذا كنا متشابهين؟ وإلى متى سنعيش في تلك الأجواء؟ وما هو حجم الجنة التي تتسع لكل الصالحين من الأموات منذ بدء الخليقة؟

تمالك أبي نفسه، وقبل أن أعالجه بسؤال آخر أخذ يعظني بالصبر وتلقي العلم بالتدريج. “ستجد إجابات على كل شيء عند الآخرين وأيضا في ذهنك. المهم الآن ألا تخاف من يوم القيامة والنار، أو تغريك الجنة إلى درجة الطاعة العمياء والتنفيذ الحرفي لتفسير الآخرين للقرآن الكريم. طالما أن أعمالك تتماشى مع تربيتك ومعرفتك بالأشياء، ولا تناقض ضميرك، فلا يوجد مبرر لخوفك. الله عليم قدير ويحاسب الناس حسب معرفتهم. المخطئ عن دون علم غير المخطئ بسابق إصرار. الأول قد يدخل الجنة، والثاني لن يجتاز عتبتها”.

“وما هو عدد الحوريات للصالحين، أو فلنقل للشهيد مثلاً؟”

“طالما أنك مُصِرٌ على الأمر فالأفضل أن تبحث عن الإجابة في آيات القرآن وتخبرني بها متي انتهيت من البحث. هكذا ستكون متأكداً من المعلومة وستلقن نفسك درساً فيما يمكن أن تصدق من المهووسين، وتفرق بين كلام الله وكلام مدّعِي العلم”. بعدما حفظت القرآن عن ظهر قلب في الشهور التالية قررت البحث عن الإجابات. وجدت أن سورتي القيامة والزلزلة تتحدثان في بعض آياتهما عما قد يعتبره البعض من علامات القيامة، وكلها تتعلق بحدوث كوارث طبيعية تسبق ذلك اليوم. أما ما يقال عن الحوريات فلم أعثر له على أثر. لقد تكرر لفظ الجنّة مائة وإحدى وأربعين مرة، وكان مقترناً بأوصاف مثل النعيم، والأنهار، والثياب الحريرية، وحصول رواد الجنة على ما يشتهون. وعندما يتحدث عن الإناث فهو يصفهن بالصالحين للصالحات، والأزواج المطهرين، وادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ..، وكثيراً ما تحدثت الآيات عن جنات يفهم منها بوضوح أنها على الأرض. حديث اللذات في الجنة ورد في سورة محمد التي تحدثت عن أنهار من ماء ولبن وعسل وأيضا خمر في الجنة، لكن الوعود لم تصل لذكر الحوريات اللواتي يعُدن أبكاراً كلّ ليلة.

من فصل (ضيق المكان) …..

استغرقت الرحلة إلى البر المقابل لروما أربعة أيام، والسبب في ذلك يعود للإبحار على مرأى من الشواطئ. لو كان إبحارنا من بَلرمُ شمالاً إلى روما لما استغرقت الرحلة أكثر من يومين. بعد أن رسونا قرب الشاطئ اقتربت منا مراكب صغيرة بمجاديف، فانتشل البحارة بضائعها وأنزلوا إليها بضائع من المركب، وعرف القبطان من وكيله، المسؤول عن استلام وتسليم البضائع، أن البابا فرنكون مريض في فراشه وعلى وشك الموت طبيعياً، وهذا على غير العادة بموت البابوات ضرباً أو خنقاً أو بالطبع مسمومين. في مثل تلك الظروف وحسب التجارب العديدة في السنوات الماضية، فالأفضل عدم المكوث طويلاً في المدينة أو المنطقة. فرنكون هذا هو الذي نصّب نفسه بابا قبل تسع سنوات، وبعد شهر حمل أموال الكنيسة وهرب إلى القسطنطينية، وعاد قبل عامين فقتل البابا خنقا بعد التجويع في السجن ونصّب نفسه مجدداً في منصبين، بابا، وقنصل حاكم لروما. أما البابا قبل المخنوق فقد مات متأثراً من ضرب رجل ضبطه في الفراش مع زوجته. سألت جبتو ماذا نفعل بشأن رسالة الأسرى المنتظرين في بَلرمُ، فاقترح أن نتركها مع الوكيل الذي يمكنه توصيلها للبابا الجديد في الوقت المناسب، ووافقته على ذلك.

“نحن الآن نواجه ميناء اوستيا على نهر التيبر، ولكننا لا نقترب منه بسبب العرب”. تركني القبطان أتعجب لوهلة ثم أكمل “في عام 846 ، هجموا على روما ودخلوا بالسفن من الميناء إلى النهر ووصلوا وسط المدينة وخربوها بعد نهبها، وعلى إثر ذلك أغلق الرومان النهر وارتفع منسوب الرمال في الميناء الآن ولم يعد صالحاً للإبحار”.

“لكن ذلك حدث قبل مائة وتسعة وثلاثين عاما، ولا يوجد خطر خارجي الآن، أليس الأفضل إصلاح الميناء ومجرى النهر لخدمة المدينة؟” أكد القبطان جبتو أن الخطر لم ينته بالفعل، فالقراصنة ينطلقون من كورسيكا المقابلة لسواحل روما وجنوة ويهاجمون المدن الساحلية الصغيرة، ولهذا هرب السكان إلى مناطق داخلية. أفادني القبطان من علومه المكتسبة من الكتب القديمة أن روما امتلكت عدة أرصفة وسط المدينة، بعضها مخصص للزيت المجلوب من ايبيريا، وبعضها للحديد من مناجم الإمبراطورية.

من فصل (جربير مجدداً)…….

في لقاء مصغر حدث بالصدفة وحضره جربير وثلاثة من المعلمين وبعض الطلاب، طرحت سؤالاً سياسياً لم يتشكك أحد من الحضور في مبرراته كوني غريب عن بلدهم وأنشد المعرفة. “إذا افترضنا أن كل، أو معظم ما ترجونه من إصلاح للكنيسة والبابوية والحكم الملكي أو القيصري، قد تحقق غداً، فما هو أسلوب الحكم الذي ترغبون فيه؟ ما هو الدور المطلوب من البابا والأسقفيات والملك والأمراء؟” صمت الجميع لوهلة من دون إعطاء إجابات فواصلت “أسألكم ذلك لأن الوضع في ممالكنا منظم بين الملك والكنيسة، والوضع لدى جيراننا المسلمين مختلف ولكنه منظم هو الآخر، فكل السلطات الدينية والسياسية في يد الخليفة ولكن مع وجود قضاء يطبق على الجميع حسب شرائع معروفة”.

“الحال في الأندلس بشقيها المسلم والمسيحي يختلف عن بلاد الغال وما خلفها من الأراضي في الشمال والشرق. في منطقتنا الغربية هنا، وفي كل البقاع المسيحية المجاورة تشوه استعمال الدين منذ القدم. في البداية حورب الدين من الحكام، ثم تحور ليناسب معتقدات أقدم، ثم اسُتغل ليخدم التحكم في الناس ونهجت الكنائس أحيانا نفس الطريق. الملوك لم يرتابوا في قدرتهم على ابتياع مواقع في السماء، فأفسدوا في الأرض وخالفوا الأخلاق وعددوا الزوجات ومارسوا الزنا والفحشاء وقتلوا الخصوم، ثم وهبوا الأسقفيات الأراضي والأموال كدليل على التوبة”. ساد الصمت وبدا أن جربير عازم على إلقاء محاضرة موجزة في تطور العلاقات السياسية والكنسية. أضاف: “علينا تذكر أن القراءة والكتابة لازالت محصورة في رجال الدين، وهذا على عكس الوضع في بلاد المسلمين حيث غالبية الناس يجيدون القراءة والكتابة ويكثر أهل الاختصاص. رجال الدين هنا هم الذين عمروا الأراضي وأقاموا الجسور، واليهم احتكم الناس في شؤون الدين والدنيا، وهم الذين حموا اليتامى والأرامل وحرروا العبيد. بالطبع قلة منهم انغمست في الرذيلة تماشياً مع الحكام والملوك الذين لم يهتموا بأحوال الناس والبلاد. هكذا تكونت العلاقة بين الكنيسة والحكم، أما صراع وتنافس، أو استغلال وإساءة. هذا الحال لم يتواصل في الستمائة سنة الأولى فقط، ولكن تواصل الفساد بسبب غزوات وقرصنة تلت، ولم يتحسن كثيراً للآن رغم مساعي المخلصين. لو تحققت الأماني غداً لرغبنا في وجود رقابة دينية على حكم عادل، وبالطبع كنا سنواصل نشر الدين بين الأمم الجاهلة الكثيرة. لأن الفرضية التي بنيت عليها سؤالك من الصعب أن تتحقق في القريب، فهدفنا الآن هو الإصلاح المتوازي لرجال الدين ولرجال الحكم ليستفيد عامه الناس من النتائج”.

“إذا أردت المقارنة بين نظام الحكم الإسلامي ونظامنا، فلكل محاسنه ومثالبه. تجد بعض مناطقهم الآن بعد أقل من أربعمائة سنة، أتعس من بعض مناطقنا التي وجدت بها المسيحية لأكثر من ضعف تلك المدة” كان هذا المتحدث هو مدرس الفلسفة، وأضاف: “الحاكم يمكن له التفرد إذا كان عالماً حكيماً مطبوعاً على العدل والرحمة، وشجاعاً مغواراً حاسماً. بدون معظم هذه الصفات مجتمعة يسهل تحول الحاكم المتفرد إلى غاشم متسلط إرهابي، خصوصاً إذا لم تكن هناك مؤسسة دينية أخلاقية تعترض عليه وتنتقده وتقومه. هذه إحدى الفوارق بين نظام المسلمين ونظامنا. اختلاف جوهري آخر يتمثل في نظام الميراث للحكم. ابن الحاكم ومهما كانت صفاته لديه حق عند المسلمين بأخذ مكان أبيه. أما لدينا فالأسر الحاكمة تورث، ولكنها تتغير أيضا، كما أن السلطة الدينية لا تورث بين الأبناء بعكس الوريث في الإسلام الذي يشرف على الدين والدنيا بالوراثة”.

“هذا يعني أنه لا توجد علاقة بين نظام الحكم الإسلامي، وبين توسع بلادهم وجودة حياتهم من علم ومعيشة ورفاهية؟” لم يكن هناك تخوف من سؤالي هذا لأن الجميع هنا يقرون بوجود الفوارق لصالح بلاد المسلمين وسكانها.

“نشروا دينهم بالسيف، وكل نجاحاتهم تحققت في المائة سنة الأولى، وهم الآن في تراجع، ولا تنسَ أن الخلافات دبّت بينهم بعد موت محمد فوراً وتعاظمت مع كل حاكم حتى ذبحوا بعضهم البعض. يمكنك القول أنهم وصلوا للقمة بسرعة وينحدرون عنها الآن، بينما نحن نصعد ببطء وسنبقى هناك مدة أطول”.

“إذا كان نشر الدين بالسيف خطأ ويعود بالمساوئ، فلماذا نشره الرومان علينا هنا بالقوة، وفرضناه على الجيران في الشرق والشمال بنفس الأسلوب، ونتمنى توحد قوانا لنشر هذا الدين ما بين الروس والجرمان؟” سؤال منطقي توجه به الطالب رينيه إلى جربير وليس لأستاذ الفلسفة.

“من الظلم القول بنشر الإسلام بالقوة، لقد ركبوا الخيل وقتلوا في الحروب، ولكنهم لم يمنعوا بقية الأديان. إندفاعهم جاء في مناطق الفراغ والضعف. لو كان الحكم في ايبيريا عادلاً والدين قويماً لما نجح سبعة آلاف عربي في هزيمة جيوش القوط واحتلال بلاد واسعة عريقة ومليئة بالبشر الذين يئسوا من إصلاح نظامهم وحكامهم فتقبلوا نظاماً وسادةً جدداً منحوهم الأمن والرخاء وحرية الدين. إذا رأت أية أمة أن لدينا هنا مثالا جيدا أفضل مما عندهم فإنهم بالطبع سيتقبلوننا. أما الحرب فهي ضرورية لإزالة الحكم البائد”. إنتقل جربير بالحديث بعد ذلك عن أنظمه قديمة وكيف كان زعيم القبيلة هو الفائز بالبطاح بين المتنافسين على المنصب.

من فصل (روائح قرطبة)…….

خمسة أشهر بعيداً عن قرطبة بدت لي كدهر من الزمن، ربما يسهل فراقها لو كانت المدن المنشودة أفضل منها، لكن ما رأيته من مدن الأندلس الأخرى، وفي صقلية وجنوه ومدن بلاد الفرنجة، لا تقارن بشيء من خصال وفضائل حاضرة العالم. لم يستوعب سعيد أثناء مرافقتي للحمام لماذا نذهب لوسط المدينة متجاوزين العديد من الحمامات، ولا يرى مبرراً للسير ببطء وتَنَشُق الروائح وتجول العيون في ما هو ليس بجديد علينا. روائح عطور النساء المارات في الطرقات، حركة البيع والشراء الصباحي لكل ما يخطر على البال من بضائع، حرير وملابس قطنية بألوان زاهية، وأغطية رأس متنوعة وسراويل وقمصان، كل شيء متوفر بخيارات عديدة في الشكل واللون والسعر. عشرات أنواع الحلوى والمشروبات، مطاعم في الطرقات، أزيار ماء سبيل أمام محلات يريد أصحابها كسب حسنات عند الله بإروائهم للعطشى، حلاقين يزينون الرجال ويصبغون الشعر واللحى بالحناء، عطارين يبيعون عشرات أصناف التوابل والأعشاب البرية ويصنعون خلطات علاج طبيعي، حمالين يلهثون خلف سيدات قرطبة، وبعضهن يقفن أمام المنجمين لقراءة طالع اليوم بينما أنزل الحمالون المشتريات عن أكتافهم لالتقاط الأنفاس واجتراع كوب ماء بارد من أحد أزيار الفخار.

أمسك سعيد بكتفي وشدّني للخلف حيث وقفت أمام بياع خبز. لم يكن المتجمهرون ينتظرون دورهم لشراء الخبز الطازج المجلوب من فرن قريب لمحل البياع، ولكنهم متطفلون يتابعون مُحتسب السوق وهو يختبر وزن الأرغفة. على ما يبدو أن زيارته جاءت استجابة لشكاوى مواطنين، فقد تنصّل البياع من المسؤولية وادعى الجهل بالأمر وعدم الانتفاع من زيادة أو نقصان الوزن. “أنت وصاحب الفرن ستدفعان غرامة وستركبان الحمير بالمقلوب يوم الجمعة”. لم يكن المحتسب بحاجة لأمر من القاضي أو صاحب المدينة لفرض حكمه الفوري، فضمن اختصاصه حماية مصالح الناس في الأسواق من غش الميزان والبضائع التالفة وملاحقة مروجي الدنانير المزورة، ومنع الرذيلة أو مضايقة النساء، ويمكنه فوراً إقرار الغرامات والعقاب المعنوي باللفظ أو التطويف على حمير والمناداة على الراكب بالمقلوب لفضحه والتعريف به والسخرية منه. أي عقاب أكبر من ذلك مثل مصادرة المال لتعويض المتضررين، أو جلد اللصوص والسكارى، يحتاج لأمر من صاحب المدينة.

أعطيت سعيد إجابة مقنعة عن سبب تبسمي ونحن نجتاز عتبة الحمام الذي لم يدخله في السابق. لم يكن بوسعي الآن الإقرار بشيطنة الصبا مع خيران في رصد أجمل أجساد فتيات قرطبة ومعرفة بيوتهن. “إذا خرجت من قرطبة ستعرف حجم نعمة الله في فرصة الاختيار بين عشرات الحمامات في ربض واحد. في بلاد النصارى كنت أشعر كلص كلما فكرت في غسل جسدي”. أنهيت جملتي وسمعت سؤال الحممجي عما نريد من اغتسال. “البرنامج كله دون نقصان، بخار فرك وتدليك وصابون وحلاقة شعر وتبييض أسنان وتعطير.ماذا لديك من العطور؟” طلبي هذا كان يعني على الأقل ثلاث ساعات عمل مقابل أعلى ثمن.

“يبدو أنك عريس ودخلتك الليلة، مبروك. لدينا للرجال عطر الليمون وخشب الصندل”.

“فقط عطران؟ الفرنجة يقولون أننا مجانين ندفع آخر درهم نملكه لشراء الصابون بدل الخبز، وأنت لا تعرض في حمامك سوى عطرين؟”

“هناك العنبر وخمسة زيوت عطرية مختلفة، ولكنها في العادة تستعمل للنساء”. لم يعرف الرجل من نبرة صوتي لو كنت جاداً أم ممازحاً، وتركته دون توضيح لتخميناته، لأضمن أفضل خدمة. اخترت عطر الليمون، ووافقني سعيد، وطلبت من الرجل إحضار زجاجات عطور النساء، ثم اخترت زيت الياسمين الذي يتميز به هذا الحمام عن غيره، واشتريت خمس قوارير كهدايا لإناث العائلة، واستكملت بمساعدة سعيد تذكر محارمنا لشراء هدايا تبدو لهن وكأنها من خارج قرطبة.

بداية فصل (الثوار النهابة)

أخبرنا حسن قبل أيام أن إشارة الثورة ستكون يوم وصول خبر، وبعد قراءة كتاب الشنجول بدخوله جليقية. حدث ذلك يوم الأربعاء السادس عشر من جمادى الآخرة. وقفت مع قريب وحسن وصالح، ابن أختي فاطمة، أمام القصر نسمع كتاب الفتح. شمس الصباح تنعكس على سور القصر فتصيبنا من أمام ومن الخلف وتصل إلى عظم ركبي كدواء في بداية الأسبوع الأخير من فبراير 1009. لحسن حظ الثوار أن النهر عاد لمجراه، وكان قد خرج عنه الشهر الماضي من شدّة الأمطار. غلب على الحضور حول القصر الرجال، ولم ينتبه صاحب المدينة، عبد الله بن عمر، لما يدور من حوله، وظن أن كل الحضور نظارة، فعاد إلى غرفته.

“أترى السيوف تحت البرانس؟ هذا من تدبير محمد، أمرهم بالانتشار متفرقين انتظاراً للوثوب. على الأرجح أن بعضهم تحرك إليه الآن بخبر وصول الكتاب”. انطلق قريب لإخبار الآخرين بأن الثورة اليوم، وابتعدنا مسافة آمنة باتجاه النهر. يبدو أن آخرين أرسلوا مراسيلهم، فقد تكاثر المتظاهرون بالتفرج على القصر وكأن جنيّاً وضعه فجأة هنا. أشار حسن لحوالي عشرين رجلاً حضروا عبروا القنطرة، وقال إن الذي وسطهم هو محمد بن هشام بن عبد الجبار ابن الخليفة الناصر. وصل بهم إلى باب القصر الخارجي، فدخلوه وخرجوا برأس صاحب المدينة على رمح، والقوا بجثته في الشارع لتداس. تنبه حراس القصر فأغلقوا الأبواب وأحكموها. ذهب البعض برأس عبد الله يجوبون الأسواق، وباشرت الجموع تدك أبواب القصر دون جدوى. ظهر الخليفة على السطح وعن يمينه ويساره خادمان يحمل كل منهما مصحفاً. أشار للعامة بيده للسكوت والاستماع إليه.

“إذهب وشأنك، ليس لنا بك، وليس الحكم من شأنك. ابن عمك أولى به، وأنت تنازلت عنه لشنجول”. إختفى الخليفة عن السطح متأكداً من اليأس، ولم يرمِ حراسه أي سهم على الثوار. ربما أمرهم بالهدوء، وربما شمتوا فيه لأنه تنازل للشنجول عن ولاية العهد فخذلوه. سهم واحد في صدر محمد كان سيُنهي الثورة. استمرت محاولات نقب جدران القصر، ولم تصل نجدات من حراس الزاهرة. نادى محمد على الصقلبي، فاتن، ضابط أبواب القصر وأقنعه بكلام يوصله إلى هشام الذي استجاب لما سمع وأمر بفتح الأبواب. صاح محمد في الحضور:

“هذا ابن عمي في قصري، لا تعيثوا فيه، كفّوا عن نقب الجدران وانتظروا ما سأوصله لكم من أوامر”. أثناء حصار القصر كان عنازين وجزارين وسائر الغوغاء قد وصلوا من الأسواق بعد رؤيتهم لرأس عبد الله، وشاركوا في نقب الجدران، واستولوا على خزينة السلاح في غرفة صاحب المدينة. دخل محمد القصر مع ثلةٍ من رجاله، وترك الآخرين يحرسون البوابة. خرج الأمر الأول من صاحب القصر الجديد بتحرير المساجين من سجن العامرية، وتكاثرت الحشود من الفوضويين واللصوص ومنتهزي الفرص للنهب. ….

……..

يتبعها بقية الفصل واربعه اخرى حتى نهاية الرواية التي تتكون من اجمالي 78 فصلاً.

Language »
انتقل إلى أعلى